القراءة وأنظمة الهيمنة الثقافية*
- قارئ الأدب أنموذجا-
بقلم:الأستاذة ليندة خراب **
لا تعالج هذه الورقة نظرية المثاقفة ، من وجهة نظر الدراسات المقارنة والنقد الثقافي ، ولا هي معنية بمساءلة أشكال المثاقفة والمثاقفة المعكوسة بين مجتمعات غالبة ومغلوبة ،مع عكس صحيح ، بل إن ما يشغلنا حقا هو وضع المثاقفة في بنية مجتمعية واحدة أو ما يعرف بالمثاقفة الذاتية ، التي قلما عُني بها كمادة للتحليل النفساني والاجتماعي والسيميولوجي.
فما هي مسارات التثاقف وتبادل الخبرات والمعارف بين الطبقات والفئات الاجتماعية والهيئات والمؤسسات والأجيال والأفراد المنتمين إلى المجتمع الواحد ؟ بل إن ما يشغلنا حقا وبدون مواربة هو حال المثاقفة الذاتية في مجتمعنا الجزائري، لقد راعنا أن يجنح حقل الثقافة والمثاقفة عندنا إلى فرض نمط من المعرفة بالقوة ، معرفة تدعمها المؤسسة ويستأثر بامتيازاتها النظام الرمزي الثقافي الذي يتحكم في مصير كل قراءة، ويهيمن على القارئ الذي صار كائنا مستلبا ، يعيش ممنوعًا أو ممتنعا عن القول (حتى يؤذن له… ؟)، عاجزا عن تحويل كيانه الثقافي إلى إنتاجية قراءة ستتحول بدورها، بفعل المثاقفة ، إلى بنية ثقافية مرجعية فاعلة تنبثق عنها كيانات ثقافية أخرى، لأنّ الثقافة، كان يجب أن تكون فعل استمرار وامتداد لا فعل انتهاء عند اسم أو رمز أو مرحلة أو مؤسسة ؛ ليست الثقافة عندنا مثاقفة، تسمح بالمرور من منظور الواحدية إلى منظور التعددية، وتبادل الأفكار وتخصيب الأساليب واللغات والنصوص، بل هي بخلاف ذلك تماما، صارت فعلَ انسحاب وعزلة ترسخان استراتيجية الهيمنة، التي تديرُها باحترافية كبيرة، المؤسسة المجتمعية بكلّ أشكالها وامتداداتها.
قمع الأنظمة الثقافية ، هو موضوع هذه القراءة ، التي ليست تدعي الاختلاف ، ولكنها تناوئ كل أشكال العنف والعسف الثقافية ، التي راحت تمارس ضغوطاتها على أفق القارئ، مبدعا وناقدا وباحثا .
تعلن الثقافة اليوم عن نظامٍ سلطوي آمر، بله ليس ثمة أكثر سطوة وتعنتا من عُصَاب الثقافة الذي راح يُلغي الآخر، ولا يعترف بالمختلف. فنشأ عن ذلك صّراعا غير معلن بين جبهتين، جبهة النظام الرمزي الذي هو امتداد للسلطة ، وجبهة القارئ الذي يمثل ثقافة الاختلاف ،تلك الثقافة المنشقة عن النظام الثقافي الكلّياني، فالقارئ حتى لا نقول المثقف *، هو الذي ينهض بعبء ممارسة ثقافية أصيلة، ليست صِنْوة للممارسات الثقافية المجاورة، وهو يفضل أن يعيش وضعه الثقافي كذات حرة، تقاوم كلّ أشكال الهيمنة التي تتوخى تدجين فعله الثقافي المتمايز، فالقارئ الحر، غالبا ما يجد نفسه في صف المعارضة ، لأنّه يرفض الإذعان لأية سلطة تريد أن تفرض قيودها على قراءته الخاصة، التي يجب أن تكون فقط : قراءة الذات التي أكونها تلك التي أعتقد أن أكونها هكذا ينهض التعارض صارخا بين فضاء القراءة، وفضاءات الهيمنة الثقافية، التي سنعْبُر مستوياتها المختلفة متوخين استكشاف طرائقها في التوجيه والإشراف على فعل المقروئية ، وهي على التوالي فضاءات : المدرسة وصنوها المعاهد والجامعات والمخابر والملتقيات والندوات والمهرجانات ومختلف الاحتفاليات الثقافية والمكتبة ودور النشر والمجلاّت والدوريات (المحكمة وغير المحكّمة)، والجامعات والجمعيات والجماعات والهيئات الثقافية ووسائل الإعلام والاتصال الجماهيرية. إلا أن قراءتنا ستكتف باختبار فضاءات الهيمنة الثقافية الثلاث : المدرسة والمكتبة ووسائل الإعلام والاتصال الجماهيرية .
يُنظم المجتمع القراءة، ويوزع حصص المقروئية على الأفراد، بحسب ميولا تهم، ويفرض عليهم معايير خاصة وأشكالا للقراءة، لا فكاك منها، ففي كلّ المجتمعات المدنية اليوم، تعد القراءة الفيلولوجية، قراءة إجبارية على الأفراد في مرحلةٍ معينة، يكون غرضها التعلُّم، وتتم في إطار جماعي داخل المدارس والمعاهد والجامعات، كما تتصف القراءة الفيلولوجية، بمعياريتها التامة، إذ لا يحق للأفراد التدخل لتغييرها، فذلك أمرٌ موكول إلى المؤسسة المكلّفة وحدها بإعداد المناهج والمقررات والقوانين ويترتب عن ذلك أن القارئ في هذه المرحلة يكون قد قبل، بمقتضى بنود العقد الاجتماعي التعليمي أن يتعاطى قراءة تقنية و تلقينية تمحو أميته، وتعالج جهله، وتعلّمه أبجديات قراءة الحروف والجمل والمقاطع والنصوص.
تمارسُ المدرسة، إذا تأسيسًا أوليا لفعل القراءة، سيظل مستمرا مع القارئ طيلة حياته، لأننا لا نستطيع أبدا أن نقاوم ذكريات القراءة الأولى التي كانت المدرسة قد غرستها فينا سنين طويلة، لقد رسخت فينا المدرسة عادات للقراءة ، أهمها القراءة النموذجية (الانتقائية) التي تقلص حقل المقروئية ، والقراءة الذوقية اللانصانية التي تعمل على تثبيت أسطورة الكاتب والأخذ بأسباب التقديرات النفسانية والاجتماعية في تحليل النصوص ، والتمسك بالتصنيفات التاريخية للكتاب والمدارس والعصور الأدبية، وترسيخ نمط القراءة التلقينية وثقافة السماع والاستهلاك ، إنها بالجملة أهم معايير القراءة الفيلولوجية التي كرستها بقوة تعليميات المدرسة .
التزمت المدرسة إذا ،ببنود القراءة الفيلولوجية ، فأحالتها إلى قراءة صامتة قد يطول فاصلُها، ويستمرُ معنا، سنين طويلة، أن نقرأ بصمت أو أن نسمع ونحفظ ما يقال لنا فقط ، يعني أننا نمارس طقوس القراءة الانفعالية تكتف بالامتلاء بكلّ اللغات والخبرات والأقوال السابقة، فنقف منها موقف المنبهر العاجز عن التجاوز، عن قول قولٍ مختلف ، وعليه فإن القراءة الفيلولوجية هي أكثر هيمنة مما قد تبدو عليه، ذلك لأننا نظل نعتقد بأن هذه القراءة عرضية، تنتهي بمجرد حصول التعلّم،إلا أن تأثيرها على القارئ أكثر ديمومةً ، أليست المدرسة هي التي تتولى بذر جينات ممارساتنا الثقافية الأصولية ؟، وهي من يكلّفنا بواجبات للقراءة سنجد أنفسنا في مرحلة ما بعد التعلم مضطلعون بها تلقائيا كواجبات للقراءة الاجتماعية والإيديولوجية والثقافية ( ).
بل إن حقل واجبات القراءة، التي أسهمت المدرسة وكذلك المجتمع في تشييده، ليتوسع ليشمل شعائريات القراءة الأدبية، فعلى قارئ الأدب أن يلتزم بقراءة كتب اليوتوبيا الأدبية ، كتب النفائس والذخائر والمخطوطات ، وأن يلِّم بطرفٍ من كلّ الأعمال والنصوص الخالدة، فإذا أردت أن تكون مثقفا أو ناقدا أو كاتبا تذعن لك الرؤوس وتذل الرقاب، فعليك أولا أن تكون قادرًا على استحضار مخزون محترم من المحفوظ، ثم إيّاك ونسيان هذا المحفوظ، لأنّه تأشيرتك الوحيدة للعبور إلى إمبراطورية الثقافة الأدبية، وإنّه ليعجزنا، في هذا السياق أن نحصي عدد الآلهة وأشباه الآلهة المعبودة في سماء الثقافة وأرضها ، المتربعة على عرش الثقافة، المهيمنة على فضاء المقروئية، وكم ستطول قائمة أسماء الكتاب والأدباء الذين يجب أن نقرأ لهم، ونحذو حذوهم، ونتبع طريقتهم المثلى كالشنفرى، وامرؤ القيس، ومحمود درويش ، ومفدي زكريا ، وطه حسين ونجيب محفوظ ، وواسيني الأعرج، وكورناي، وموليير، وديكارت، وسارتر، وفيكتور هجو (…) .
فلا غرو ، إذا أن تستمر ثقافتنا اليوم متمسكة أكثر فأكثر بخيار قراءة الذوبان وثقافة السماع ، التي لا تترك هامشا لمبادرة القارئ وتورثه جينات العجز والانبهار السالب بالمقروء والمحفوظ من النصوص ( أليس هذا هو وضع العملية التعليمية عندنا ، تلك التي يديرها وينفذها على انفراد وبانتشائية ظاهرة المعلم وحده بمعزل عن شراكة ودعم الطلبة ؟ ، ألسنا نجأر بالشكوى من سكونية قراء وطلبة رسخت فيهم المدرسة وحتى الجامعة ثقافة السماع ، وننسى أن هذه القراءة بالذات لا تمتلك سندا ولا شرعية تاريخية ، لأن السلف الصالح من العلماء والنقاد والمفكرين العرب ،لم يك يدعُ أبدا إلى قراءة الاجترار والذوبان، فهذا ابن خلدون الذي اشترط الحفظ طريقة لاستواء ملكة الإبداع، يثني على ذلك، فيدعو إلى ضرورة نسيان المحفوظ بعد الامتلاء به ق
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف |